07/01/2026
ليس من الحكمة بل من اللامسؤولية الإدارية أن يقال إن دمج أموال السوق الموازي التي تقدر بالمليارات في النظام المصرفي الرسمي ممكن في لحظة.....من أول السنة.
ليس من الواقعية بل من الخيال أن نتصور أنه في أسابيع قليلة يمكن توفير ملايين دفاتر الصكوك وملايين بطاقات الدفع الإلكتروني بكل شرائحها المستوردة ثم تنصيبها وتفعيلها على الأرض بين شركات ومؤسسات وأفراد دون أي عائق.
ليس من العقلانية أن نفتح ملايين الحسابات المصرفية ونتحقق من صحتها واحدا تلو الآخر بالوثائق والتبريرات القانونية حتى لأولئك الذين يمتلكون مبررات سليمة عبر ألف وستمائة وثلاث وسبعين 1673 وكالة مصرفية موزعة على كامل التراب الوطني وكأن اليد العاملة متوفرة بلا حدود وكأن الأنظمة المعلوماتية لا تتعرض للأعطال وكأن الشبكات الكهربائية والاتصالات لا تنقطع.
كأن قواعد البيانات جاهزة مسبقا وكأن خوارزميات المتابعة المالية دقيقة ومتكاملة وكأن أرقام التعريف الجبائي والإحصائي تصدر في لمح البصر وكأن شهادات الميلاد والإقامة تستخرج بلا ضغط أو تأخير وكأن البلديات ومصالح الحالة المدنية والإدارات الجبائية والأجهزة الرقابية كلها تعمل في هدوء مثالي بلا اكتظاظ أو طوابير أو ضغط وكأن كل المعاملات المالية والبنكية تدار في أجواء مثالية من الانضباط والتنظيم دون أي خلل.
إن الحديث عن هذا السيناريو ليس مجرد طموح إداري بل هو خيال بعيد عن الواقع يتجاهل أبسط حقائق العمل الإداري والمالي.
فالواقع يقول إن كل خطوة في أي بنك أو إدارة مهما كانت بسيطة تحتاج إلى وقت موارد بشرية وتقنية تنظيم دقيق متابعة مستمرة وتقييم وتصحيح مستمر.
فما بالك بعملية ضخمة تتعلق بملايين الأشخاص ومليارات الأموال في فترة زمنية قصيرة مليئة بالتعقيدات الإدارية واللوجستية ومن دون مراعاة لأي قيود حقيقية؟
الخطأ الأكبر في هذا التصور هو تجاهل القيود العملية:
نقص الكفاءات المؤهلة والمدربة لإدارة عمليات ضخمة بهذه السرعة.
أعطال الأنظمة المعلوماتية والشبكات التي يمكن أن توقف العملية بشكل كامل.
التأخيرات القانونية والبيروقراطية في إصدار الوثائق الأساسية: شهادات الميلاد الإقامة وأرقام التعريف الجبائي والإحصائي.
الضغوط الناتجة عن الطوابير الاكتظاظ ونقص الموارد في المصالح الإدارية التي لا يمكن تجاهلها عند التعامل مع ملايين الأشخاص.
تعقيدات المتابعة المالية والمراقبة التي تتطلب خوارزميات دقيقة تكامل قواعد بيانات وأنظمة إنذار مبكر لا تتوافر بسهولة.
الحديث عن مثل هذا المشروع دون مراعاة هذه الحقائق هو ضرب من الخيال الإداري الذي يفتقر لأي مقومات تطبيقية.
إنه تصور نظري بعيد تماما عن قدرات الدولة وإمكاناتها الحقيقية وأبعد ما يكون عن التخطيط المالي العقلاني.
والحقيقة تقول إن كل خطوة في النظام المالي أو المصرفي من إصدار بطاقة واحدة إلى فتح حساب واحد تتطلب إجراءات دقيقة متابعة مستمرة وقتا مناسبا للتقييم والتصحيح وتنسيقا بين عشرات المؤسسات والجهات الرسمية.
فكيف بعملية ضخمة تمتد على ملايين المواطنين وأموال بالمليارات في وقت ضيق جدا دون أي استعداد مسبق...؟
إن أي حديث عن تحقيق ذلك بسرعة البرق ليس إصلاحا ماليا بل قفزا في الفراغ الإداري.
ولذلك فإن هذا التصور مهما بدا جذابا في المجالس أو على الورق لا يمكن اعتباره مرجعا عمليا ولا يقبله عقل رشيد ولا يمكن تمريره على أي خبير إقتصادي حكيم أو إداريى ذكي دون أن يرفضه رفضا قاطعا.
الأمر لا يتعلق بالتخطيط وحده بل بواقعية التنفيذ والالتزام بإجراءات دقيقة واستثمار الوقت والموارد البشرية والتقنية والتدرج في التنفيذ بما يتوافق مع قدرات الدولة الفعلية. فالمطلوب ليس مجرد الحلم الكبير بل تصميم إستراتيجية متدرجة واقعية قابلة للقياس والتصحيح تراعي كل المعوقات الممكنة وتضمن نجاح العملية على الأرض.
وهكذا يبقى الحديث عن دمج السوق الموازي في النظام المصرفي في فترة وجيزة مجرد حلم إداري بعيد عن الواقع ومثال صارخ على انفصال النظرية عن التطبيق واعتداء على حدود الإمكانات الحقيقية للدولة والمؤسسات.