22/04/2026
حلم حياتي حينما كنتُ طفلًا
حينما كنتُ طفلًا صغيرًا، لم يتجاوز عمري ست سنوات، لم تكن أحلامي كأحلام الأطفال… لم أحلم بلعبة، ولا بمال، ولا بمكانة…
كان حلم حياتي أن أكون شهيدًا في سبيل الله، ثم في سبيل فلسطين.
كبرتُ، وكبر هذا الحلم معي… لم يتبدّل، ولم يتراجع، بل ترسّخ أكثر، وصار طريقًا أسير فيه، لا فكرة عابرة في ذهني.
منذ أن وطأت قدماي عتبة الكلية الحربية قبل أربعين عامًا، لم أكن أبحث عن وظيفة، ولا عن لقب…
كنت أبحث عن موقعٍ أكون فيه أقرب لما آمنت به منذ طفولتي: أن الوطن لا يُصان بالكلام، بل بالموقف، وأن الشرف العسكري ليس رتبة تُعلّق، بل عهدٌ يُحمل.
عشتُ المسيرة بكل ما فيها… ميادين، مواقع، مسؤوليات، قرارات ثقيلة لا تُكتب في التقارير، لكنها تُحفر في الضمير.
عملتُ وسعيت، ولم أكن يومًا من طلاب المناصب، ولا من هواة الظهور… لأنني كنت أرى دائمًا أن القيمة الحقيقية للرجل ليست فيما يجلس عليه، بل فيما يثبت عليه.
لكن، وعلى امتداد الطريق، اصطدمنا بواقعٍ لا يمكن تجاهله…
واقعٌ كان فيه السباق عند كثيرين نحو المناصب، لا نحو المواقف، نحو المكاسب، لا نحو التضحيات.
ورأينا، بكل وضوح، كيف أن الوطن في كثير من محطاته كان لمن سبق، لا لمن صدق… لمن راوغ وكذب وصفّق وخاف، لا لمن ثبت وواجه وضحّى.
وهنا لم تكن المشكلة يومًا في قلة الرجال… بل في تغييبهم.
لم تكن في غياب التضحيات… بل في سوء استثمارها.
فكم من رجالٍ قدّموا دماءهم وأموالهم وأبناءهم، وكانوا أولى بأن يكونوا في مواقع القرار، لكنهم لم يكونوا من أهل التصفيق، ولا من محترفي الانحناء.
ومع ذلك… لم يكن هذا سببًا للانكسار، ولا مدخلًا للشكوى.
بل كان دافعًا لمزيد من الثبات، لأن القناعة التي لم تتغير يومًا هي أن الطريق الصحيح لا يُقاس بعدد السالكين، بل بثبات من يسلكه.
هذه ليست رواية ألم… ولا خطاب عتب…
هذه شهادة رجلٍ عاش ما آمن به، وسار في طريقٍ يعرف ثمنه، ولم يساوم عليه يومًا.
أقولها بهدوء الواثق: لم أندم على ما اخترت، ولن أبدّل ما آمنت به، لأن الكرامة لا تُراجع، والمواقف لا تُؤجّل.
وفي ختام هذه المسيرة التي ما زالت مستمرة…
يبقى الرجاء ثابتًا لا يتغير:
أن تُسلّم الأمانة يومًا لمن يخاف الله في هذا الشعب الفلسطيني العظيم…
لمن يرى في الوطن رسالة لا غنيمة، وفي المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا.
نحيا بقدر ما نثبت… لا بقدر ما نُرى.