12/10/2026
لماذا لا يكره العالم الملكة فيكتوريا بقدر كره هتلر؟
لأن الأمر مختلف في طبيعته، وأيضًا لأن ذاكرة العالم غير متكافئة. والسؤال يحمل افتراضًا يحتاج إلى تصحيح أولًا.
العالم يكرهها، لكن ليس كله:
في أيرلندا تُذكر أحيانًا بـ"ملكة المجاعة"، بسبب المجاعة الكبرى (1845-1852) وسياسات بريطانيا تجاهها، وإن كانت المجاعة بدأت قبل أن تتصرف الحكومة بالطريقة المنتقدة بعقود من النفوذ الاستعماري. وفي الهند يرتبط عهدها بقمع ثورة 1857 وبمجاعات الربع الأخير من القرن، وفي الصين بحروب الأفيون، وفي جنوب أفريقيا بمعسكرات الاعتقال في حرب البوير التي مات فيها عشرات الآلاف. فالكراهية موجودة، لكنها إقليمية لا عالمية.
الفروق الحقيقية:
1. الفاعل المباشر مقابل الرمز. كان هتلر صاحب القرار الأعلى في دولة شمولية، وسياساته مدوّنة بصريح العبارة في "كفاحي" وفي وثائق مثل مؤتمر وانسي. أما فيكتوريا فكانت ملكة دستورية، والقرارات تصنعها الحكومة والبرلمان والإدارة الاستعمارية. هذا لا يبرّئها، فقد دعمت التوسع الإمبراطوري ولقبها "إمبراطورة الهند"، لكن مسؤوليتها الشخصية موزعة ومختلفة عن مسؤولية هتلر.
2. نوع الجريمة. الهولوكوست كان إبادة مصنَّعة قائمة على القصد: قتل ستة ملايين يهودي بسبب هويتهم، إلى جانب الغجر وذوي الإعاقة وغيرهم. أما كثير من وفيات العهد الاستعماري فقد نتجت عن نهب وإهمال وسياسات اقتصادية قاسية، وأحيانًا عن عنف مباشر، لكن ضمن نظام لم يكن هدفه الصريح استئصال شعب. وفي تقديرات الوفيات الاستعمارية خلاف كبير بين المؤرخين، فمثلًا تقدير مايك ديفيس لضحايا مجاعات الهند في أواخر العهد الفيكتوري ضخم لكنه محل نزاع.
3. من كتب التاريخ. هُزمت ألمانيا النازية، وحوكم قادتها في نورمبرغ، وواجه الألمان ماضيهم بأنفسهم وجرّموا إنكاره. أما بريطانيا فكانت في معسكر المنتصرين، ولم تمرّ بمحاسبة مماثلة، ولا تزال تتجادل حتى اليوم في مسألة إرثها الاستعماري. وضحايا الاستعمار لم يملكوا حينها منبرًا عالميًا يُسمع.
4. قرب العهد والتوثيق. هتلر موثَّق بالصور والأفلام وشهادات ناجين عاشوا حتى وقت قريب. أما فيكتوريا فماتت عام 1901، وصورتها المتداولة هي صورة الجدّة الوقورة، لا صورة الإمبراطورية التي حكمتها.