12/05/2026
"إلى سكان المرتفعات من عرمون إلى بحمدون:
الجبال لا تحجب سموم القصف من الضاحية .. الرياح تنقل مخلفات القصف إلى بيوتكم!"
المقدمة: الغارة ليست مجرد انفجار
في المنظور البيئي العسكري، الغارة الجوية هي "مفاعل كيميائي مفتوح". عندما تصطدم الصواريخ المخترقة للتحصينات بالهدف، فإنها لا تدمر البناء فحسب، بل تحول المادة إلى غبار نانوي محمل بالمعادن الثقيلة التي تنتشر وفقاً لاتجاه الرياح (Plume Dynamics)، لتلوث مناطق تتجاوز جغرافيا القصف المباشر.
القسم الأول: التوصيف الكيميائي للملوثات (ماذا تترك الغارة؟)
كل غارة جوية تطلق مزيجاً من السموم التي تظل عالقة في التربة والهواء لسنوات:
-اليورانيوم المنضب (DU): يُستخدم في الرؤوس الحربية المخترقة للدروع؛ يتحول عند الانفجار إلى أكسيد اليورانيوم، وهو غبار مجهري يستقر في الرئتين.
-المعادن الثقيلة (Heavy Metals):
الرصاص والزئبق: يؤثران على الجهاز العصبي للأطفال في المناطق المحيطة.
-الكروم والكوبالت: معادن تدخل في تركيب الصواريخ وتسبب حساسية جلدية وتلفاً في الأنسجة.
الفوسفور الأبيض: (في حال استخدامه) يسبب حروقاً كيميائية وتلوثاً طويل الأمد للتربة يمنع الزراعة.
-المركبات العضوية المتطايرة (VOCs): تنتج عن احتراق الوقود ومواد البناء، وهي مسببة للسرطان بشكل مباشر.
القسم الثاني: المسح الجغرافي ومدى التأثر (نطاق الانتشار
-سنعتمد هنا على "مركز الانفجار" (Ground Zero) في قلب الضاحية لقياس مدى التأثر:
1. النطاق المباشر: الضاحية الجنوبية (0 - 2 كم)
الحالة: تلوث كلي وحاد.
التأثير: تشبع الهواء بـ غبار الإسمنت والسيليكا الممزوج بالمعادن الثقيلة. التركيزات هنا تتجاوز المعايير الدولية بآلاف الأضعاف. التربة في هذه المنطقة تصبح "نفايات خطرة" يجب معالجتها قبل أي إعادة إعمار.
2. النطاق القريب: الحدث، الشياح، وبيروت (3 - 5 كم)
المسافة: زحف كيميائي مستمر.
التأثير: تعاني هذه المناطق من "الترسيب الجاف" للملوثات. الغبار الناتج عن القصف في الضاحية ينتقل بفعل التيارات الهوائية المحلية ليستقر على أسطح المنازل وخزانات المياه المكشوفة. المعادن مثل النيكل والنيتروجين تزداد نسبتها في الغبار المنزلي.
3. النطاق المتوسط: خلده، الشويفات، وبحمدون (7 - 12 كم)
المسافة: تأثر بيئي غير مرئي.
التأثير: تعاني هذه المناطق من تلوث المياه الجوفية. التسريبات الكيميائية من المواقع المستهدفة تتسرب إلى الطبقات الصخرية (Aquifers). كما تتأثر المساحات الخضراء القليلة بـ "الأمطار الحمضية" الناتجة عن تفاعل غازات الانفجار مع رطوبة الجو.
4. النطاق شبه البعيد: الدامور والمناطق الجبلية المطلة (15 - 25 كم)
المسافة: تلوث انتقالي عبر الرياح.
التأثير: قياس الأثر هنا يظهر في "الضباب الكيميائي". في الأيام التي تلي الغارات الكثيفة، تنتقل الجزيئات الدقيقة (PM2.5) المحملة بالمعادن الثقيلة لتستقر في الأودية المحيطة، مما يؤثر على جودة الهواء في مناطق كانت تُعتبر "رئة بيروت".
-التحليل الكيميائي لنواتج الانفجارات:
تعتبر الغارات الجوية مصدراً رئيساً لانبعاث مركبات كيميائية معقدة لا تقتصر أخطارها على لحظة الانفجار، بل تمتد لتشكل تهديداً بيئياً مزمناً. ويمكن تفصيل البيانات الواردة في الجدول على النحو التالي:
-أولاً: معدن التنغستن (Tungsten)
يُعد التنغستن من المكونات الأساسية في صناعة الرؤوس الحربية الصغيرة والمتطورة، حيث يُستخدم لزيادة القدرة الاختراقية. من الناحية البيئية، يشكل هذا المعدن خطراً جسيماً عند تحوله إلى غبار نانوي بفعل الحرارة العالية، إذ تشير الدراسات إلى إمكانية تسببه في تلف جيني طويل الأمد للسكان. وتعتبر منطقة الضاحية والحدث هي الأكثر تأثراً بهذا المعدن نظراً لكونها في النطاق المباشر للقصف المباشر.
-ثانياً: مادة بيركلورات الأمونيوم (Ammonium Perchlorate)
تنتج هذه المادة بشكل رئيسي عن احتراق وقود الصواريخ الصلب الذي يدفع المقذوفات نحو أهدافها. لا يتوقف أثر هذه المادة عند موقع الانفجار، بل تنتقل عبر الجو لتغطي النطاق القريب والمتوسط من موقع الغارة. ويتمثل خطرها الصحي الأساسي في قدرتها العالية على إحداث خلل في وظائف الغدة الدرقية نتيجة تداخلها مع امتصاص اليود في الجسم.
-ثالثاً: الهيدروكربونات العطرية (Aromatic Hydrocarbons)
تنتج هذه المركبات عن الاحتراق غير الكامل للكتلة العمرانية، بما يشمل الأثاث، مواد البناء، والسيارات الموجودة في المواقع المستهدفة. تصنف هذه المواد كـ مسرطنات تنفسية قوية جداً تنتشر بكثافة في الهواء المحيط. ويمتد التأثير المباشر لهذه السموم ليشمل بيروت الإدارية بالكامل بالإضافة إلى الضاحية، حيث تظل عالقة في الأجواء لفترات تتأثر بحركة الرياح ورطوبة الجو.
الخاتمة: "الأرض لا تنسى.. والرياح لا تحيد"
إن ما يشهده لبنان اليوم، من ساحل الضاحية وصولاً إلى قمم المتن وعاليه، ليس مجرد استهدافات عابرة، بل هو "إبادة بيئية منظمة" (Ecocide) تتجاوز أهدافها اللحظية لتضرب مقومات الحياة للأجيال القادمة. إن الصاروخ الذي يسقط في "الأسفل" لا ينتهي أثره عند حدود الركام؛ فالمعادن الثقيلة والغبار الذري لا تعترف بخرائط السيطرة ولا بحواجز الجغرافيا.
الجبل في مواجهة "السموم العابرة"
على سكان المرتفعات، من عرمون التي تراقب البحر إلى بحمدون التي تعانق السحاب، أن يدركوا أن "الحصانة الجغرافية" قد انتهت. إن الجبال التي كانت تاريخياً قلاعاً للصمود، باتت اليوم -بفعل ديناميكيات الرياح- مستودعاً محتملاً للملوثات النانوية.
إن "السيادة البيئية" لا تقل شأناً عن السيادة الحدودية؛ فالهواء الذي نتنفسه في الأودية والجبال أصبح جبهة مفتوحة، والتربة التي نزرعها باتت تخوض معركة صامتة ضد التسمم الكيميائي الممنهج.
نداء الصمود الكيميائي
إن العدو لا يقصف الأبنية ليحولها إلى غبار فقط، بل يحاول تحويل "البيئة اللبنانية" إلى بيئة طاردة للحياة. لذا، فإن إجراءات الوقاية، وحماية خزانات المياه، ومراقبة جودة ليست مجرد تدابير صحية، بل هي أفعال مقاومة وجودية.
ستنجلي غبرة الحرب ويسكن الدخان، لكن "الأثر الكيميائي" سيبقى اختباراً لصلابتنا. فليكن وعينا بحجم المخاطر التي تشن يوميا من العدو المجرم ! .
.