05/04/2026
لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد...
جميعنا قريناها في مدارسنا الإبتدائية وحنا مازال صغار وسمعناها من معلمينا وأساتذتنا للقيام بواجباتنا المدرسية في المنزل...الجملة فوق صالحة لكل زمان ومكان ولكل حدث..عمل اليوم يجب ان نقضيه اليوم..في مبدأ إدارة الوقت كنسميوه بنظرية أكل الضفدع المستوحاة من مقولة الكاتب مارك توين..إذا كان عليك أداء مهمة شاقة (الضفدع) فابدأ بها أولا في الصباح..وإذا كان هناك ضفدعتان فابدأ بالأكبر والأصعب...
نتا صديقي..أمورك المهمة لي خاصك تقضيها كتقضيها في الحين ولا كتلقى ألف سبب ومبرر لتأجيلها للغد وغدا للغد ليه وهكذا ولا تقوم بها إلا مضطرا بعد نفاذ كل مبرراتك..نجيو لأمر مهم وأهم من كل هذه الدنيا الفانية..دينك دينك لحمك دمك...
اول ما يحاسب عليه المسلم يوم القيامة الصلاة....كتصلي صديقي؟ ما الذي يمنعك؟ علاش كل مرة كتلقى السبة تعطل الصلاة..حتى لرمضان الجاي ونبداها ونشد فيها مزيان..باقي صغير نكبر شوية ونبداها...ما راضيش على نفسي وحشمان من الله باش نبدا الصلاة...مبررات ومبررات كتبرد بيها على نفسك..ولكن إلى متى...اليوم كانت جنازة صديق لنا على مشارف الأربعينات ولم يكن يصلي..نعم هاز ليه الهم وأستغفر له أنه لم يكن يصلي أكثر من موت الفجأة الذي أصابه...صعيب الحال وصعيب بزاف...هذا علاش قررت نكتب هاذ المنشور..عله يكون سبب في إعادة تفكير البعض ممن يتابعون هذا الحساب..أتمنى...
غنرجعو لور..لقصة يمكن أن تسقطها على مبرراتك وتأجيلك ان تبدأ الصلاة وحتى إسقاط لأمور دنيوية في حياتك لا زلت تؤجلها..
الزمان..زمن رسول الله صلوات ربي عليه..المكان..المدينة المنورة...
الحر والهواء الساخن ودرجة حرارة جد مرتفعة..الموارد شحيحة ورسولنا الكريم صلوات ربي عليه يعلن النفير العام لإعداد جيش لمعركة تبوك..الروم كانوا يجهزون جيشا جرارا للقضاء على الدولة الإسلامية..وكان على جيش المسلمين التوجه لتبوك للقاء الروم رغم الحر والطريق الطويلة...
في نفس توجه المسلمين لتبوك كان هناك صحابي جليل مترف الحال يملك بساتين في المدينة وراحلتين اشتراهما لغرض التوجه لتبوك ليكون في طليعة المسلمين..لكنه استسهل وبدأ يبحث عن مبررات..أنا خفيف الحركة ولن يتطلب مني الكثير من الوقت للوصول لتبوك...سألحق بهم غدا..سأتجهز غدا..لا زال هناك متسع من الوقت..أملك راحلتين سريعتين..وغيرها من المبررات...
اختار الصحابي الجليل الراحة اللحظية..اختار الجلوس في الظل بعيدا عن حر الطريق ومشقة السفر..ظل على هذا الحال يقنع نفسه أنه مسيطر على الوضع حتى خرج من بستانه في يوم فوجد المدينة خاوية من رجالها..تحرك الجيش لتبوك..وأصبحت المسافة للحاق بهم مستحيلة..
لم يجد الصحابي الجليل وإسمه كعب بن مالك في المدينة المنورة سوى المنافقين الذين تخلفوا عمدا عن اللحاق بالمسلمين..والشيوخ والأطفال الصغار...فدخل كعب بن مالك في حالة نفسية صعبة بسبب جلد الذات..ولأنه كان صادقا مع نفسه لم يجد مبررا لما فعل...
عاد المسلمين للمدينة من تبوك متتصرين..وكعادته جلس النبي صلوات ربي عليه في المسجد يستقبل الناس..ومنن استقبلهم 80 رجل من المنافقين الذين تخلفوا عن المعركة..دخلوا عليه تباعا كل وقصته الواهية ومبرره لتخلفه عن المعركة..كانوا كاذبين في مبرراتهم وكان عليه الصلاة والسلام يعلم بذلك..
ثم يدخل كعب بن مالك..فيتبسم له النبي صلوات ربي عليه تبسم المغضب..ابتسامة فيها الكثير من العتاب..ابتسامة تقول..لماذا يا كعب؟ ألم تكن قد ابتعت راحلتك؟
كان في إمكان سيدنا كعب خلق قصة ومبرر كما فعل المنافقون قبله..خصوصا وأنه يمتلك ذكاء لغويا وقدرة كبيرة على فن التفاوض والخطابة..ولكنه ٱثر الصدق..فقال "يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر..ولقد أعطيت جدلا..ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي..ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه (تغضب مني فيه) إني لا أرجو فيه عفو الله..والله ما كان لي من عذر..والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك"
ليرد رسول الله صلوات ربي عليه " أما هذا فقد صدق..فقم حتى يقضي الله فيك"
ليصدر الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لجميع الصحابة رضوان الله عليهم بمقاطعة كعب بن مالك..لا أحد في المدينة يكلم كعبا......
تخيل الصراع النفسي وأثر هذا العقاب على كعب..ان يتنكر لك كل من كانوا حولك..وانت تعلم أنك السبب في حالك..سيدنا كعب لم يلعب دور الضحية وان انقلب عليه الجميع..كان مدركا أنه بسبب تأجيله واختياره السعادة اللحظية وقع في شر عمله..أصبح كالشبح لا يراه ولا يسلم عليه ولا يكلمه أحد...
وفي عز انهياره النفسي..يلتقي كعب في السوق بفلاح قبطي من الشام يحمل له رسالة من ملك غسان..ملك مسيحي في الشام يعادي الإسلام والمسلمين..يفتح كعب الرسالة ويقرأ "أما بعد فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك..ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة..فالحق بنا نواسيك"
ملك غسان حاول استغلال الضعف النفسي الذي يعيشه كعب بعد أن هجره النبي ابكريم وكل أصحابه...كان دور ملك غسان هنا أن يحتضن خطيئة كعب ويزينها ليكون سببا في ترك كعب لدينه ولمجتمعه ويهرب للإهتمام المزيف ومنطقة الراحة لملك غسان...لكن رد كعب كان سريعا..أخذ الرسالة ورمى بها في فرن مشتعل بالنار....
كعب في ألمه النفسي قرر التحمل حتى النهاية..عقاب يستحقه وكان يدري أنه يستحقه..ولا زال في العقاب زيادة..
في اليوم الأربعين من العزلة يأتيه رسول من النبي صلوات ربي عليه يأمره باعتزال زوجته..اعتزال ملاذه وأنسه الوحيد المتبقي له..لم يبق لكعب سوى الله يتوجه له..ليكمل بعد الأريعين عشرة أيام في عذاب تفسي لا يحتمله سوي..
وفي فجر يوم الخمسين يأتي الفرج..
كعب جالس على سطح منزله بعد صلاة الفجر..يتنفس بصعوبة من ضيق صدره..ليسمع صوتا يشق هدوء الليل..صوت رجل يقول من أعلى الجبل..يا كعب بن مالك..أبشر
فيسجد كعب مكانه من الفرحة..وتتسابق عليه الناس لتبشيره..يخرج من منزله ويجري للمسجد..يدخل فيقوم له الصحابة ويقول النبي صلوات ربي عليه لكعب "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" ليسأل كعب "أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟"
فيقول رسول الله "لا بل من عند الله"
{لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسر من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم}
سورة التوبة
في تركك للصلاة صديقي أو حتى في تأجيل أمورك الدنيوية للغد..وأنت تبحث عن مبرر تذكر أن هذا هو "ملك غسان" في أبهى صورة له..
احرق مبرراتك الواهية وكن صادقا مع نفسك وواجهها..اختر السماء بدلا من سعادتك اللحظية..كن ككعب
والسلام عليكم ورحمة الله